الصحراء زووم : سيد احمد السلامي
تتحرك الجزائر باتجاه إعادة ترميم علاقاتها مع دول الساحل، في تحول لافت يأتي بعد فترة من التوترات التي عصفت بعلاقاتها مع عدد من عواصم المنطقة، وكشفت محدودية أدوات الضغط التي اعتمدتها للحفاظ على نفوذها التقليدي في محيطها الجنوبي، فبعد فترة من التوتر طبعت علاقات الجانبين، بدا أن الجزائر تسعى لفتح قنوات جديدة مع حكومات الساحل، في محاولة لاستدراك تداعيات مرحلة التصعيد التي أضرت بنفوذها بالمنطقة.
وفي أحدث مؤشرات هذا الانفتاح، وجهت الجزائر دعوة رسمية لرئيس الحكومة المالية عبد الله مايغا لزيارة البلاد، حيث نقل الوزير الأول سيفي غريب الدعوة بتكليف من الرئيس عبد المجيد تبون، خلال اتصال هاتفي جمعه بنظيره المالي، وأكد الجانبان، وفق الرواية الجزائرية، رغبتهما في إعادة تنشيط العلاقات الثنائية واستئناف التعاون، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من لغة القطيعة والتصعيد إلى محاولة إعادة بناء جسور التواصل مع باماكو.
وتأتي الخطوة الجزائرية تجاه مالي بعد أزمة حادة اندلعت إثر إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيرة مالية، قبل أن تتطور الخلافات إلى إجراءات دبلوماسية متبادلة وإغلاق المجال الجوي، غير أن عودة الاتصالات بين البلدين، واستئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح الأجواء، تشير إلى أن الطرف الجزائري بات أكثر ميلاً إلى التهدئة، بعدما أظهرت الأزمة أن استمرار المواجهة مع باماكو يهدد بتقليص هامش تحرك الجزائر في منطقة تعتبرها مجالا حيويا لأمنها ونفوذها.
وبالتوازي مع المسار المالي، تحاول الجزائر فتح صفحة جديدة مع النيجر عبر بوابة التعاون العسكري والأمني، حيث أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية تقديم أربع مروحيات عسكرية للنيجر، إلى جانب الذخائر وقطع الغيار ومعدات الدعم والصيانة، في إطار ما وصفته بـ«الهبة العسكرية». وتحمل هذه الخطوة بعدا يتجاوز الجانب العسكري، باعتبارها مؤشرا على رغبة الجزائر في استعادة الثقة مع إحدى دول الساحل التي شهدت العلاقات معها بدورها مرحلة من التوتر.
وتكشف هذه التحركات أن الجزائر بدأت تدرك كلفة استمرار الخلاف مع دول الساحل، خصوصا في ظل بروز ترتيبات إقليمية جديدة تقودها دول المنطقة نفسها، وتراجع قدرتها على التأثير في قرارات عواصم كانت تعتبرها تاريخيا جزءا من مجالها الحيوي، فسياسة الضغط لم تؤد إلى إخضاع هذه الدول، بقدر ما ساهمت في دفعها نحو البحث عن شراكات وبدائل جديدة، وهو ما جعل الجزائر أمام واقع إقليمي مختلف يفرض عليها مراجعة سياساتها بمنطقة الساحل.
كما تكشف التحركات الأخيرة تجاه دول المنطقة حجم المأزق الذي وجدت فيه الدبلوماسية الجزائرية نفسها، بعدما اصطدمت سياسة الضغط والتصعيد برفض متزايد من عواصم الساحل، لتعود الجزائر اليوم إلى محاولة ترميم علاقات ساهمت بنفسها في دفعها نحو القطيعة. غير أن استعادة النفوذ لن تكون مهمة سهلة، إذ ستحتاج الجزائر إلى إعادة صياغة مقاربتها للمنطقة على أساس المصالح المتبادلة واحترام استقلالية القرار السياسي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بعدما أظهرت التطورات الأخيرة أن سياسة الضغط وفرض الوصاية لم تحقق أهدافها، في ظل تشبث عواصم الساحل باستقلالية قرارها وتحديد مصالحها وتحالفاتها بعيداً عن أي نفوذ إقليمي تقليدي.